مدرسة اللون الأبيض

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مدرسة اللون الأبيض

مُساهمة من طرف saied2007 في الأربعاء أكتوبر 17, 2012 5:54 am

بقلم: الشيخ محمود القلعاوي
وقعت عيني على شاشة التلفاز تعرض مشاهد من الحج.. تنتقل الصورة من الكعبة.. إلى بيت الله الحرام.. إلى الصفا والمروة.. إلى جبل عرفة.. إلى بئر زمزم.. ومع كل مشهد كان قلبي يهتز طربًا.. ووجداني يملؤه الشوق.. ولساني يلهث بالدعاء بأن يرزقني حجة إلى بيت الله الحرام.. الحجيج بثيابهم البيضاء يذهبون ويعودون في استسلام تام لخالقهم معلنين التوبة النصوح والنية الصادقة بعدم العودة لفعل المعاصي والآثام، تراهم يرتدون تلك الملابس البيضاء التي تخلو من أية مظاهر تدل على زينة أو بهرجة فقط إزارًا ورداءً أبيضين نظيفين.



مدرسة للمساواة

في الحج كما في الصلاة نري حرص الإسلام على إعلاء قيمة المساواة بين البشر وبين المسلمين، فالكل لآدم وآدم من تراب، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح.



ونجد المساواة في الحج واضحة بينة، فالرجال يتجردون من ملابسهم العادية، ويلبسون ثوبين إزارًا ورداءً، والأصل في تلك الثياب هوأن تكون بيضاء، والكل عاري الرأس، يلهج بالذكر والدعاء فقيرًا إلى ربه، متجردًا من جاهه ونسبه وثروته ومكانته، لا حرس ولا حماية ولا منصب ولا استعلاء.



والكل يطوف بالبيت، ويسعي بين الصفا والمروة، ويصعد إلى عرفات، ويرمي الجمار، ويبيت في صحراء مني في مساواة تامة في المناسك.



ويصف الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق رحمه الله في كتابه "مناسك الحج" أيام الحج بأنها: "فترةُ تَجَرُّد كامل لله سبحانه وتعالى وتوبة استغفار وإنابة، وأداء شعائر ومناسك وقطع الصِّلَة بالماضي الذي تَشُوبه شوائب من هوَى النفس ونَزَغات الشيطان.



ويقول: "ومن الرموز لقَطْع الصلة بالماضي واستقبال عهد جديد، أن يتخلَّى الإنسان عن ملابسه لِيَلْبِس ملابس الإحرام بيضاء ناصعة طاهرة نَقِيَّة؛ تَوْجيهًا لِمَا ينبغي أن يكون عليه الإنسان في سِرِّه وعلانيته من الصفاء والطهر، وإن لم يعتبر اللون شرطًا في الإحرام".



واللون الأبيض- كما يقول الدكتور بدر عبد الحميد هميسة في كتابه "في مدرسة الحج"– "يُذكر المسلم بحقيقة غابت عن تفكيرنا وكرهتها نفوسنا وكم نهرب منها ولا بد لها أن تدركنا وأن نشرب من كأسها، إنها مفارقة هذه الحياة والانتقال إلى حياة البرزخ ثم الحياة الآخرة".



ويقول: "فالحاج حينما يلبس الإحرام فإنه يشابه تلك الأكفان التي يكفن بها الميت ليلحد فيقبر فيمضي حيًّا بكفن الأموات، كما أن ذلك الجمع الغفير من الحجاج في مكان واحد وكل واحد منهم يلهج لسانه بدعاء ربه أن يتقبله ويعتقه من ناره، يذكره بموقف المحشر الذي يجمع فيه جميع الخلق وكل فرد قد شغل بنفسه عن غيره".



وتقول أ. جواهر الهياس في جريدة الشرق الأوسط العدد 9903 : "في ذروة أيام الحج نشاهد الحجيج وهم يرتدون تلك الملابس البيضاء التي تخلو من أية مظاهر تدل على الزينة أوالبهرجة في منظر مهيب يدل على تساوي الجميع باختلاف طبقاتهم مما يوضح المضامين التي يحث عليها الدين الإسلامي من عدم التفرقة والمساواة وعدم التباهي كل ذلك نشاهده من خلال توحد زي الحجاج المسلمين بملابسهم البيضاء التي جعلت منظر التجمع أكثر وحدة وتماسكاً".



طاقة جديدة

ومعلوم أن للألوان تأثيرها على الإنسان، فاللون يسمو بالروح ويغذي الأعصاب، ويريح الوجدان، وله تأثير واضح في حياة البشر، فمنه ما يبعث في النفس السرور والسعادة، ومنه ما يبعث الملل والاضطراب، ومنه ما يحفز الهمة، ومنه ما يحبطها، ومنه ما يوحي بالدفء ومنه ما يوحي بالبرد.



وكما قال علماء النفس : "ومن يظن أنه ليس لثياب الإحرام البيضاء تأثير ضمني على نفوس الحجيج فإنّ تفكيره في منأى عن الحقيقة, لأنّ الحقيقة هي أن اللون الأبيض عندما ينتشر في محيطك، وترى الآخرين حولك في ثيابهم البيضاء, فإنه يطلق إشعاعات قوية إلى نفسك وروحك بأن يا نفس كوني بيضاء كلباسي, وأن يا قلب تحرر من سوادك وحقدك وضغينتك إلى بر الطهر والنقاء والصفاء, وأن يا إنسان لا يزال لسانك رطبًا بهذا الدعاء المأثور عن أطهر الخلق صلى الله عليه وسلم: اللهم نقّني من خطاياي كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد".

--------

* عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
avatar
saied2007
المدير العام
المدير العام

عدد الرسائل : 4579
تاريخ التسجيل : 11/10/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://saied2007.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى