سياسة هدم المعبد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

سياسة هدم المعبد

مُساهمة من طرف saied2007 في الثلاثاء نوفمبر 06, 2012 9:54 am

بقلم: د. صفوت حسين
يبدو أن بعض القوى والأحزاب التي تطلق على نفسها المدنية لا تريد لهذا البلد أن يهدأ أو يستقر، وتعمل جاهدة على ازدياد فترة الاضطراب والارتباك التي تشهدها الساحة السياسية خلال هذه الفترة الانتقالية من خلال العمل على إشعال الحرائق هنا وهناك، وزيادة حالة الاحتقان والاستقطاب بين القوى الإسلامية وما يُسمى بالقوى المدنية، فما إن يقع اعتصام أو إضراب حتى تسارع هذه القوى ورموزها لإعلان تأييدها له والتضامن معه- بالرغم من إدراكهم عمق الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد والتي لا تستطيع معها تلبية هذه المطالب - بدلاً من الدعوة لتفهم الظروف التي تمر بها البلاد والدعوة إلى الصبر والعمل على اجتياز هذه الأزمة بما يسمح بتلبية المطالب المشروعة لفئات المجتمع المختلفة.



وقد سارعت هذه القوى بعد طول انتظار وفور انتهاء الـ 100 يوم الأولى من حكم الرئيس للدعوة للتظاهر، بل طالب بعضها بإسقاط الرئيس تحت ذريعة أنه لم يف بوعوده خلال المائة يوم، وهو وضع لا مثيل له في العالم بأسره، فلم نسمع عن رئيس منتخب انتخابًا حرًا لمدة محددة تمت محاسبته بالقطعة كما يريد أن يفعل البعض عندنا، ونحن الآن نتابع معركة انتخابات الرئاسة الأمريكية والحملات المتبادلة بين أوباما ورومني، وعلى المتربصين بمرسي أن يراجعوا النسبة المحدودة التي حققها أوباما من وعوده الانتخابية بعد أربع سنوات وليس مائة يوم، ومع ذلك لم نر الشعب الأمريكي يخرج مطالبًا بمحاسبة الرئيس أو مطالبًا بإسقاطه؛ لأن محاسبة الرئيس على ما حققه وما لم يحققه تكون من خلال صناديق الانتخابات.



الحقيقة أن المشكلة الأساسية ليست في وعود الرئيس، ونسبة ما أنجزه وما لم ينجزه، بل المشكلة الحقيقية تكمن في حالة التربص بالرئيس من بعض القوى السياسية التي تعمل جاهده على إفشال الرئيس ومحاصرته بالضغوط التي لا تتوقف، وتصيد أي هفوات أو أخطاء للنيل منه انطلاقًا من عدائها لفكر الإخوان أو بحثًا عن زعامات لم تستطع أن تنالها من خلال صناديق الانتخابات أو حسدًا وحقدًا على الإخوان الذين تبوءوا قمة السلطة بعدما كانوا بالأمس القريب يعانون الاضطهاد والتنكيل، وقد حاولت هذه القوى تكرار ما فعلوه بمجلس الشعب مع مؤسسة الرئاسة عن طريق نشر الأكاذيب والأراجيف وخلق حالة من الكراهية للرئيس، فكما طاردوا د. الكتاتني بالاتهامات الباطلة عن سيارته، وما يتقاضاه من مخصصات مالية من المجلس وغير ذلك من الاتهامات سلكوا النهج نفسه مع الرئيس من خلال الاتهامات الباطلة التي نالته ونالت أسرته، واضطر المتحدث باسم الرئاسة للخروج يوميًّا وأحيانًا أكثر من مرة في اليوم الواحد لنفي هذه الاتهامات، بل اضطر الرئيس نفسه لنفي بعض هذه الاتهامات والأكاذيب كما حدث في خطابه بإستاد القاهرة عندما نفى ماردده البعض عن تلقيه مبالغ طائلة بدلاً عن رحلاته الخارجية وعن تقاضى موظفي الرئاسة بدلات ضخمة عن مرافقتهم الرئيس في هذه الرحلات.



ويبدو أن القوم أدركوا أن هذه الوسائل لن تجدي نفعًا فعملوا على إدخال البلد في حالة من الفوضى سواء من خلال المطالبة بإعادة انتخابات الرئاسة مرة أخرى بعد إصدار الدستور الجديد، أو اللجوء للمحاكم لإفشال الجمعية التأسيسية بعد أن أصبح القضاء هو الساحة الأساسية للعمل السياسي في مصر الآن. فباسم الأعراف الدستورية انطلق البعض مطالبين بإعادة الانتخابات الرئاسية، وزايد البعض وأفتى بأن هذا ما يجرى في العالم كله عند وضع دستور جديد، وهو أمر ليس صحيحًا، ولم يحدث في مصر مثلاً عندما صدر دستور 1971 الذي نص في مادة انتقالية على إكمال الرئيس السادات لمدته.



إن مثل هذه الدعوة لا يمكن أن تصب أبدًا في مصلحة البلاد. لقد خرج الشعب في انتخابات الرئاسة الماضية لينتخب الرئيس لمدة أربع سنوات طبقًا للتعديلات الدستورية التي وافق عليها الشعب في مارس 2011، ولم يقل لنا أحد إننا سننتخب رئيسًا مؤقتًا لعدة أشهر لحين وضع الدستور، فضلاً عن أن الدستور الجديد قد قلَّص سلطات رئيس الجمهورية، كما أن أوضاع البلاد سواء السياسية أو الاقتصادية لا يمكن أن تتحمل الأعباء المترتبة على انتخابات جديدة، فنحن مقبلون على انتخابات مجلس الشعب والشورى أو النواب والشيوخ كما في مسودة الدستور الجديد، ثم انتخابات المحليات أي أننا مقبلون على ماراثون انتخابي طويل، فهل تتحمَّل البلاد إضافة انتخابات رئاسية جديدة لكل هذه الانتخابات؟ والملاحظ أيضًا أن بعض من يدعون لذلك ينطلقون من مصالح شخصية مثل حمدين صباحي الذي يتبنى هذا الرأي الآن، ويردده ليل نهار مع أنه لو كان صادرًا منه عن قناعة حقيقية لأعلنه أثناء حملته الرئاسية وليس بعد سقوطه في الانتخابات، ولكان ذلك أدعى أن نحترم هذا الرأي منه ونقدره حتى لواختلفنا معه.



ونأت إلى موضوع الجمعية التأسيسية والسعي الدءوب الذي تمارسه هذه القوى لهدم الجمعية التأسيسية من خلال اللجوء إلى القضاء والحملات الإعلامية لتشويه عمل الجمعية، وهنا لا بد من التفريق بين فريقين: الأول يرفض تشكيل الجمعية من الأساس، وأي منتج يخرج عنها ويطالب بإعادة تشكيلها بحجة أنها غير متوازنة ولا تشكل كل فئات المجتمع، والفريق الثاني الذي يتعامل مع المنتج الذي أصدرته الجمعية التأسيسية بالرغم من تحفظه على تشكيل الجمعية، والحقيقة أن الفريق الثاني يدرك اللحظة التاريخية التي تعيشها البلاد والحاجة إلى الدستور وإجراء الانتخابات النيابية لتحقيق الاستقرار في البلاد، وإنهاء الفترة الانتقالية كما يدرك أهمية التعامل مع الأمر الواقع.



وبالرغم من حدة انتقادات بعض المنتميين لهذا الفريق لمسودة الدستور، والتعامل معها على أنها المنتج النهائي وليست مسودة قابلة للحذف والإضافة والتعديل فإن هذه المواقف تعتبر قوة داعمة للدستور الجديد وللجمعية التأسيسية التي يجب عليها أن تتعامل مع هذه الانتقادات والاقتراحات المقدمة من الهيئات والأفراد حتى الذين لا يعترفون بالجمعية التأسيسية بمنتهى الجدية، وأن تفتح باب الحوار مع الجهات المختلفة للوصول إلى تفاهمات مشتركة كما حدث على سبيل المثال مع المحكمة الدستورية العليا، أما الفريق الأول الذي يريد هدم الجمعية التأسيسية فهو يتصرف بعيدًا عن روح المسئولية بصرف النظر عن نواياه ودوافعه لأن هذه الدعوة لن تؤدي إلا لمزيد من الاضطراب والفوضى؛ لأنه لا يوجد بديل واضح لهذه الجمعية، فأنصار هذا الفريق يدعون رئيس الجمهورية للتدخل لإعادة تشكيل الجمعية بالرغم من أنه ليس من حقه إعادة تشكيل الجمعية إلا في حالة حلها أو وجود عائق يحول دون إتمام عملها، ولو سلمنا جدلاً بوجود هذا العائق وأعاد الرئيس تشكيل الجمعية؛ فهل هذا سيحل المشكلة أم يدخلنا في مزيد من المشكلات؟



إن إقدام الرئيس على إعادة تشكيل الجمعية لن يؤدي إلا لمزيد من عدم الاستقرار ورفض التشكيل الجديد واتهام الرئيس بمحاباة الإسلاميين، وحتى لو شكل الرئيس الجمعية أو بمعنى أدق اللجنة بالتوافق مع القوى السياسية- وهي التي لم تتوافق على شيء من قبل- فإن ذلك لن يحظى بموافقة الجميع وسيلجأ البعض للقضاء لتعطيل عمل الجمعية، وحتى لو تم اللجوء للانتخاب المباشر لتشكيل الجمعية التأسيسية وهو الخيار الأفضل ديمقراطيًّا وأمكن التغلب على العقبات التي تعيق الأخذ بهذا الخيار من الناحية العملية فإن هذا الخيار سيؤدي إلى ازدياد حالة الاستقطاب خاصة في حالة فوز إحدى القوتين الإسلامية أوالليبرالية بالأغلبية التي تتيح لها إصدار الدستور منفردة استنادًا إلى التفويض الشعبي، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أنه في حالة انتخاب جمعية تأسيسية بصورة مباشرة فلن يعرض هذا الدستور على الشعب للاستفتاء، وستقوم الجمعية بإصداره مباشرة.



الواقع أن أي بديل للجمعية الحالية يقودنا للمجهول ويتجاهل مجهود أكثر من أربعة أشهر بذلته هذه الجمعية توصلت خلالها إلى منتج يمكن البناء عليه وتجويده من خلال التعامل معه، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن النقاط الأساسية المختلف عليها لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة. على هذه القوى أن تدرك أن الإرادة الشعبية هي الأساس وأنها هي التي ستنتصر في النهاية وأن عليها أن تدرك أن سياسة هدم المعبد "وفيها لأخفيها" وسرادقات العويل والندب التي تمارسها يوميًّا في الفضائيات لن تجدي نفعًا، وأن ساحة العمل الحقيقية مفتوحة أمامها من خلال التواصل مع الناس، وتحقيق نتائج جيدة في الانتخابات القادمة تتيح لها المشاركة الفعالة في الحياة السياسية.

-------------

* مدرس التاريخ الحديث والمعاصر كلية التربية- جامعة دمنهور
avatar
saied2007
المدير العام
المدير العام

عدد الرسائل : 4579
تاريخ التسجيل : 11/10/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://saied2007.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى