آَداب الاختلاف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

آَداب الاختلاف

مُساهمة من طرف saied2007 في السبت نوفمبر 03, 2012 9:13 am

الاختلاف سنة كونية أوجدها الله تعالى فى دنيا الناس ليتكامل البشر فيما بينهم.. ومن ثم فإن الإختلاف هو أمر ثابت من ثوابت هذا الكون، ومطلب ضرورى لاستمرارية الحياة فيه.. وأن تكون أستاذًا جامعيًا وتكتب فى الصحافة، وتخاطب الناس فى الإذاعة والتلفاز، وتلتقى بهم فى المؤتمرات العامة والتخصصية، وعلى صفحتك الشخصية على الفيس بوك وغير ذلك، فلاشك أنك تدرك تمامًا هذه الاختلافات الموجودة بين الناس، وتعيشها معهم لحظة بلحظة.. فالاختلافات ليست فى الأشكال والمناظر والثقافات والدين واللغات فقط، بل تظهر أكثر ما تظهر فى وجهات النظر وفى رؤية الناس للأمور.. فلكل منا رؤية ووجهة نظر يجب أن يحترمها من يختلف معها، وهذه من بديهيات آداب الاختلاف وأصوله.. لكن أن يتحول هذا الاختلاف إلى عراك وشجار ومعركة حامية الوطيس، ساعتها تدرك أن الجو غير صحى بالمرة، بل ومشحون بين أبناء الوطن الواحد وكأنهم خصوم.. لتشعر بأننا ما زلنا نعيش فى أتون معركة مشتعلة لم تنتهِ بعد.. وربما توجه لك اللعنات والضربات من نيران صديقة، بمجرد الاختلاف معك فى وجهة النظر هذه أو تلك.
أقول هذا الكلام على إثر التعليقات الكثيرة التى زيلت مقالى المنشور فى جريدة "المصريون" يوم الاثنين 29 أكتوبر 2012، والمحمل على موقع الجريدة الإلكترونى، والتى حملت قدرًا كبيرًا من الشتائم والسباب لشخصى الضعيف. تارة، تتهمنى بالكذب واختلاق القصص على شخص الرئيس لم يروا لها أثرًا فى واقعهم وبين أصدقائهم، وأننى غير موضوعى وشخص مغرض.. وتارة أخرى، تتهم مقالتى بأنها موجهة ضد الرجل، وهجوم على شخصه، وانتقاص لمكانته وهيبته.. ولما كنا كمصريين جميعًا فى ساحة مفتوحة للنقاش، فينبغى علينا أن نتحلى بآداب الاختلاف ونجيد لغة الحوار مع بعضنا البعض.. لذا كم كنت أتمنى ألا يلجأ البعض لاتهامى بالكذب واختلاق بعض القصص وفبركتها، بل يفند آرائى ويدحضها.. فأنا أفهم أن بعضهم لا يصدق تلك القصص الواردة فى المقال، وهذا حقه، لكن أن تتهم غيرك بأنه ينسب قصصًا مختلقة لجماهير هم تاجه وسلطانه، فهذا هو مربط الفرس.. فاعتقاد البعض بأنه من الريف ويعرف كل كبيرة وصغيرة عنه، وأنه يستحيل على جماهير البسطاء فى حاراتنا وأريافنا أن يأتوا بمثل هذه الأفعال، يكشف أن هؤلاء لا يعرفون شيئًا عن المجتمع المصرى من الداخل.. يا سادة يا كرام هناك مثقفون يعيشون بيننا، ويتحدثون فى مؤتمراتنا العامة وندواتنا بأن عبد الناصر لم يمت بعد وأنه سيعود.. ولعل قصة المحامى الذى طالب بمحاكمة مبارك لأنه انتحل صفة الرئيس، وأن مبارك الحقيقى قد مات، ورأيناه جميعًا بأم أعيننا على الشاشات، تشى بأن مجتمعنا به الكثير والكثير مما لا يعرفه هؤلاء.. ومن ثم فإن الادعاء بأن القصص الواردة فى المقال مفبركة ومن تأليف كاتبها، يدلل على أن هؤلاء لا يعرفون سطح البحر من قاعه. ومن لا يصدق فعليه أن ينزل فى الموالد الشهيرة وفى بطن الريف ليرى العجب العجاب.. فارتباط المصريين يا سادة بحاكمهم يجعلهم يتصرفون أحيانًا على تلك الشاكلة.. فيشعرون بأن رئيسهم يعيش بينهم، يكلمهم ويطلب نصيحتهم ومقابلتهم. الاختلاف فى الرأى يا سادة مطلوب جدًا، والاقتراب من الناس وفهمهم، والتعبير عن شكاياتهم وَآلامهم هو الأولوية الأولى لكاتب المقال.. لكن الأبقى لنا جميعًا هو مساحة النقاش التى نوليها لبعضنا البعض.. فآداب الاختلاف أهم لنا فى هذا التوقيت من الاتفاق فى الرأى، حتى لا نصبح جميعًا قَالبًا لحذاء يفصل علينا كما حدث فى الماضى.. يا سادة لا تضعوا الناس فى معسكرات على هواكم أنتم، بادعاء أنكم أقرب إلى الرئيس وتخافون عليه، فهو رئيس المصريين جميعًا وليس رئيسكم وحدكم.. فلا تؤدلجوا البشر على جملة قيلت، أو مقالة كتبت، بما يشير لعدم فهم حقيقى للكلام المكتوب ومراميه وأهدافه.. على أى حال، أنا أعذرهم على ما قالوه فى حقى، وأتسامح فى القدر الذى لحقنى من الشتائم والاتهامات وأتصدق بها.. فالمقال لا يصنف المنتخبين لمرسى بأنهم هم العامة والحرافيش كما وصف البعض.. فصاحب المقال نفسه، أحد هؤلاء الذين انتخبوا الرجل، وفرحوا بوصوله لسدة الحكم.. غير أن التعرف على أنماط مختلفة من المصريين فى الحوارى والأرياف، التى هى منبتنا وشرفنا، تجعلك تحتك بأنماط مختلفة من البشر، لها من التصورات عن الرئيس ما لها.. ومن ثم فإن آداب الاختلاف لا تجعلكم تفترضون الناس فى المعسكر المعادى للرجل، لتستحلوا الشتائم وتوزيع الاتهامات.. يا سادة علينا أن ندير حواراتنا واختلافاتنا بطريقة موضوعية، ولا نتهم الناس قبل أن نرى جملة كتاباتهم وآرائهم.. وإذا كان المقال فى جملته يهدف لخلاصة مهمة وهى: ضرورة أن يهتم الرئيس بتلك الجماهير ويتبنى قضاياها، من تعليم وصحة وخدمات وأسعار وأجور، وألا ينشغل بجدل النخبة حول المكاسب والأرباح السياسية، فهذا هو الأهم وهذا هو خلاصة المسألة.. إدارة الاختلاف يا سادة هو فن وثقافة وتعليم وأدب وأسلوب حياة، فلا تقدموا الخلافات والشقاقات على روح المحبة والود.. من الطبيعى أن نختلف حول الطريقة المثلى فى إدارة أمور بلادنا وأولوياتنا فى تلك المرحلة، لكن علينا ألا نصل لحد القطيعة والرجم بالحجارة، والسب والقذف لكل من نختلف معه.. يا سادة عبد الناصر فعل ما فعل، غير أن حسنته التى مازالت ترفعه على الأعناق أنه أصدر قانون الإصلاح الزراعى بعد عدة شهور من ثورة يوليو.. ونحن فعلنا ما فعلنا من إنجازات فى أول ثورة شعبية حقيقية قامت فى تاريخنا المعاصر، وجئنا بأول رئيس منتخب ولم نتقدم خطوة واحدة فى برنامج العدالة الاجتماعية. فهيا اجعلوا الاختلافات تصب إيجابيًا فى الصالح العام، ليتنافس كل منا فى بذل الغالى والنفيس فى خدمة بلدنا ونهضتها، والاهتمام بقضايا المصريين جميعًا أينما حلوا وكانوا.
د. أحمد عبد الدايم محمد حسين- أستاذ مساعد التاريخ الحديث والمعاصر- جامعة القاهرة.
avatar
saied2007
المدير العام
المدير العام

عدد الرسائل : 4579
تاريخ التسجيل : 11/10/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://saied2007.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى