قراءة في كتاب "المدنية الإسلامية" للسنهوري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

قراءة في كتاب "المدنية الإسلامية" للسنهوري

مُساهمة من طرف saied2007 في الأربعاء أكتوبر 24, 2012 8:29 am

بقلم: عمر منطاش
واصل في حقل الفكرِ الدعوةَ إلى تجديد الفقه الإسلامي، بتقنينه، وفتح باب الاجتهاد فيه، ومقارنته بالمنظومات الفقهية العالمية، ودخلت أحلامه وأفكاره في تجديده، واستدعاء حاكمية الشريعة الإسلامية مرحلة النضج.



هكذا حمل السنهوري باشا- منذ فجر حياته- هموم أمته ثم تحولت هذه الهموم من نطاق العلم والخيال على الأوراق إلى ميادين العمل والإبداع والإنجاز في التربية والتدريب والتقنين والتشريع، وفي المواقف الكبيرة التي تجسد القيم والأخلاق، نماذج حية للأسوة والاقتداء في واقع الحياة.



لم يكن الطريق أمام الدكتور عبد الرزاق السنهوري للإصلاح سهلة، فقد اصطدم بالعقبات وقدم التضحيات إبَّانَ الاستعمار الإنجليزي أمام حكومات الأقليات الموالية للقصر الملكي- حكومات الانقلاب على الدستور والقانون.



الدكتور عبد الرزاق السنهوري باشا أديب الفقهاء، وفقيه الأدباء وعميد فقهاء القانون المدني في العالم العربي وأحد أعظم القضاة في القرن العشرين وصاحب الأحكام التي انتصرت لحريات الأمة- عندما رأس مجلس الدولة- في مصر خلال مرحلة الغليان السياسي والاجتماعي التي سبقت انقلاب 23 يوليو 1952 م.



"المدنية الإسلامية" اسم لكتابه الذي لم يتجاوز عدد صفحاته المائة صفحة، لكنه يحمل بين دفتيه معاني كبيرة لخبير من خبراء القانون في الوطن العربي، وعالم بمرامي الاختراق القانوني الغربي الذي زاحم الشريعة الإسلامية، وأزاح فقه معاملاتها الإسلامي من فوق عرشه العتيد.



أراد في كتابه أن يكون العالم على دراية بحقيقة المدنية وهل نجاحها ببعدها عن الدين أم بانبثاقها منه فيقول: "إن الإسلام دين ومدنية، وإن تلك المدنية أكثر تهذيبًا من مدنية الجيل الحاضر، وإذا عجزنا أن ننادي باسم الدين، لأن عصر الأديان قد تباعد فمن مصلحة العالم– وقد فسدت قواعد الاجتماع التي يسير عليها – أن يلتفت إلى مدنية نمت وازدهرت في عصور كان الجهل فيها مخيمًا على ربوع العالم الغربي، نحن مسلمون للآخرة وللدنيا، أما إسلامنا للآخرة فشيء نحفظه في قلوبنا، وأما إسلامنا للدنيا فهذا ما ننادي به أن يُحترم".



إن مذهب التقليد للمدنية الغربي المادية هي المشكلة التي أرقت السنهوري ومن أجلها خط قلمه سطور هذا الكتاب الشيق؛ حيث إنه رفضها رفضًا تامًا، فجوهرها ترك الدين، وفي ذلك إساءة لمعنى المدنية، وقد بدأت المدنية بالدين وستنتهي بالدين.



فاختط لنفسه طريقًا ميز به المدنية التي يريدها بأمرين:

أولاً: أن تكون ذات صبغة شرقية.

ثانيًا: أن تكون بمنزلة رد فعل للمادية المتغلبة على المدنية الغربية لتهذبها، ويعود لها الدين بعد أن ينقى مما خالطه من الأوهام والعصبيات.



قسَّم السنهوري باشا الجماعات الشرقية في مصر إلى فريقين:



فالأول: متمسك بالماضي تمسكًا أعمى، لا يتطور مع العصر فيجلب بذلك عداوة العالم المتمدين.



والآخر: يقطع حبل الماضي فلا يعود إليه ويقطع صلته به.



وعندما يُدخل المدنية الأوروبية في مصر فهو لا يراعي تقاليد البلاد وتاريخها ومزاجها الشرقي.



وقال إن كلا الفريقين خطر، فنحن نحتاج إلى أوربا، ولكن ليس معنى ذلك أن نترك تقاليدنا القومية.



كما دعى إلى أنه قد حان الوقت لاستعادتنا مجدنا القديم لا بترك الدين ولكن بتنقيته مما دُسَّ فيه من أوهام وخرافات، فالمتمسك بروح الدين أيًا كان، يجد اقترابًا مع من يخالفه في دينه؛ فينهض الشرق مسلمه ومسيحه، ويستعيد الشرق مدنيته بحماية الإسلام للجميع.



وضع نظرية جديرة بأن تكون أساسًا لجامعة شرقية لا تتناقض مع الجامعة الإسلامية؛ فمن الممكن أن يرى الباحث في التعاليم الإسلامية تعاليم دينية أساسًا لإنشاء مدنية دنيوية صلتها بالدين كصلة المدنية الغربية بالأخلاق أو بالدين المسيحي في الأمم المتدينة.



ووصف الإسلام بأنه قوي لا تهضمه الجنسية ولا الاستعمار، وليس كما يحاول الغرب تحويله إلى عقيدة لا شأن لها بالقومية حتى يسهل عليهم تفريق الأمم الإسلامية.
هذه النظرية عِمادها نهضات أربع تحتاجها مدنيتنا:



1- نهضة الشريعة الإسلامية وجعلها صالحة للتقنين في الحاضر.



2- نهضة اقتصادية ومالية في مصر.



3- نهضة لإصلاح طرق التربية والتعليم.



4- نهضة لإصلاح اللغة العربية خاصة.



واعتمد عميد فقهاء القانون في طريقته لتقسيم الكتاب على طريقة السرد والخواطر، وليس على الأبواب والفصول، وهو ما يجعل القارئ ربما يصعب عليه ربط أول الكتاب بالآخر إلا بعد أن تتبلور له فكرة الكتاب كاملة.



تكلم عن أهدافه الشخصية في نهضة المدنية الإسلامية المذكورة آنفًا، واقترح عمل مؤتمرات لمقومات هذه النهضة من الجانب اللغوي، عربية وتركية وفارسية، ومن الجانب الاقتصادي ومن الجانب العلمي والثقافي، ثم تكلم عن تكوين الجامعة الإسلامية واشترط فيها شرطين حتى تقام: الأول: إزالة الخلاف بين العرب والترك.



الثاني: الحذر من عيون انجلترا الساهرة.

ثم تكلم بعد ذلك عن الإسلام والشرق من حيث الخلافة الإسلامية التي يبشر بها.



ويبدوا أن رؤية الخبير في إقامة الجامعة الشرقية أو الإسلامية فكرة جيدة؛ لعِظم أهدافها في توحيد الأمم الشرقية بروابط اقتصادية ولغوية وقانونية وسياسية، لكنها تحتاج إلى عشرات السنين نظرًا لتردي أوضاع بعض الدول والحكام الذين يعرقلون مثل هذه الأهداف.



ورؤيته في الإسلام والشرق ونظرته للخلافة الإسلامية محل اهتمام كل غيور على أرضه وشرقيته، فقد تكون أحلام اليوم حقائق الغد، وكما قال: فكما كَثُرَ الحالمون في أوربا في القرن الثامن عشر، يتمنون تنظيم جامعة تضم شتات الدول الأوربية، فها نحن في القرن العشرين نرى هذا الحلم أصبح يقينا في جامعة الأمم بجنيف.



وتبشيره في الإمبراطورية العربية، ليس ضربًا من التهويش للدعاية، فمعظم دول الغرب يعرفون جيدًا ما قدّر لهذه الرابطة العربية من نجاح وانتشار.



فهي كسائر الروابط تتكون من عناصر متنوعة: اللغة والجنس والدم، والتاريخ والتقاليد، ويعزز ذلك فيها وحدة الدين في الكثرة الغالبة، وتقاليد التسامح الديني ورؤية الأقلية غير مسلمة إخوانًا للمسلمين.



وضع للإمبراطورية العربية أسس تتميز بها من الناحية الاقتصادية؛ حيث التنقل بين البلاد والتجنس، ومن الناحية الاقتصادية؛ حيث دراسة الأسواق العربية والتبادل التجاري، والناحية الثقافية من حيث اللغة والتاريخ والفلسفة والعلوم الإسلامية والتعليم العالي والاقتصادي والقانوني.



ختم السنهوري كتابه ببيان أن قوة الوحدة وعزتها تبدأ بميثاق عربي بين مصر وسوريا وشرق الأردن، ويفتح الباب لباقي الدول العربية يتضمن المبادئ التالية:



1- إعلان عدم مشروعية الحرب، ووجوب تسوية ما بينهم من خلافات بطريقة التحكيم.



2- محالفة دفاعية ضد أي اعتداء.



3- توحيد التمثيل السياسي للدول الموقعة على الميثاق.



4- توحيد اتجاهات السياسة الخارجية.



5- توحيد نظام الجيوش.



6- ضمان حقوق الأقليات.



7- إنشاء مجلس دائم للاتحاد العربي.



وكان قد نوى في كتابه (المدنية الإسلامية) عمل دراسة بعنوان "الوحدة العربية والأسس التي ينبغي أن تقوم عليها".
avatar
saied2007
المدير العام
المدير العام

عدد الرسائل : 4579
تاريخ التسجيل : 11/10/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://saied2007.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى