الدائرة الإسلامية -الشيخ محمد الغزالي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الدائرة الإسلامية -الشيخ محمد الغزالي

مُساهمة من طرف saied2007 في الثلاثاء أكتوبر 26, 2010 9:06 am

يقول المناطقة لكي يكون التعريف صحيحا يجب أن يكون جامعا مانعا. ومعنى أنه جامع أن يشمل جميع أفراد المعرف فلا يرك واحدا، ومعنى أنه مانع ألا يسمح بدخول نوع آخر لا علاقة له بالمعرف.

ونحن نريد أن نحدد الدائرة التي تعنيها كلمة "مسلم" فلا يخرج منها أحد له ذرة من دين، ولا يدخل فيها أحد مبتوت الصلة بهذا الدين.

تعني حقيقة الإسلام عدة أمور:
أ ـ معرفة الله على وجه صحيح فهو سبحانه لا شريك له، وليس كمثله شئ، منزه من كل نقص، منعوت بكل كمال.
ب ـ الاعتراف بحقوقه على خلقه، فهو الرب المعبود، الذي يطاع أمره وينفذ حكمه! والعلاقة بيننا وبينه بعد معرفته هي الخضوع له والسمع والطاعة لما يجئ منه!
ج ـ مظهر هذا الخضوع هو إتباع النبي الخاتم الذي أتم به كل الرسالات وأظهر على لسانه مراده من عباده إلى آخر الدهر . .

ولنستطر قليلا في شرح الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام، فإن هذا الرسول الكريم هو الذي عرفنا بحقيقة الدين منذ الأزل بعدما عفرها الأولون بالتراب حتى محو معالمها.

وهو الذي كرم إخوانه السابقين، وكشف عنهم تهما شائنة تتصل بأخلاقهم وأعراضهم. .
وهو الذي شق بسيرته الماجدة طريق الكمال الإنساني، فإذا هو خلال الستين عاما التي قضاها في الدنيا نور يضئ الظلمة، وطهر يمحو الجاهلية، ورحمة تنشر البر والنماء، وقدرة ترفض الضعف وتدعم الحق وتقهر الجبروت. . !!

ما عرفت هديا للعقل ولا صدى للفطرة ولا نداء للإنسانية إلا رأيت معنى ذلك ومبناه في دين محمد وسيرة محمد، ولذلك آمن به. . ثم أدركت لماذا تكون الإسلام من كلمتين "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله".

المسلم الحق إنسان يؤمن بالله ويعمل الصالحات. يزكي بذلك نفسه ويمهد للقائه بربه.
وهو يتعاون مع إخوانه المؤمنين على بناء مجتمع مؤمن صالح ينقل هذه الحقائق من السلف إلى الخلف، ويوسع نطاقها في الحياة بالدعوة والأسرة.

وهو متهيئ في أي وقت لافتداء دينه بدمه إذا أبى الفتانون إلا إحراجه واجتياح دينه ومجتمعه، فالمسلم يحيا لربه قبل أن يحيا لنفسه.
على أن الإسلام ـ في النفس أو المجتمع ـ يصح ويقل، ويقوى ويضعف، بل يحيا ويموت!
والمجتمع الراسي على عقائده قد يصمد للأهواء والفتن أمدا طويلا، وقد تهتز الدعائم فينفرط عقده ويسقط علمه. .

وكذلك النفس الإنسانية، إن المرء قد يكون صلب الإيمان متين الخلق فيخرج ناصع الجبين من شتى العواصف، وهناك من يصبح مؤمنا ويمسي كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا. .
ونريد هنا أن نرسم الخط الأخير الذي يفصل بين الحق والباطل، والذي يرتد عن الإسلام من اجتازه. .
والحق أن العلماء تريثوا كثيرا وهم يرسمون. . هذا الخط، واتأدوا في إصدار حكمهم بالتكفير لأن الأمر جد خطير . . !
وهم عندما يحكمون بارتداد مسلم لا يفعلون ذلك إلا بعد ما ييأسون من كل تأويل أو اعتذار.
ونستطيع على ضوء ما شرحنا من حقيقة الدين أن نعرف متى يقع الانسلاخ منه.. فإذا كان الإسلام معرفة حسنة بالله، فإنه يخرج منه من زعم أنه لله ابنا، أو ندا. أو زعم أن له خصائص البشر أو حل في جسد.

وإذا كان الإسلام التزاما بمبدأ السمع والطاعة لله رب العالمين، فإنه يخرج منه من جحد أي واجب كالصلاة والصيام مثلا، أو استباح أي محرم كالربا والزنا والخمر.

وإذا كان الإسلام إتباعا لصاحب الرسالة الخاتمة وتصديقا لما جاء به، فإنه يخرج منه من استهان بالرسول، أو حقر كتابه، أو أنكر ما هو معروف من دينه بالضرورة، أو زعم أنه رسول خاص بالعرب، أو أن أمد رسالته انتهي. .
والأمثلة التي ضربناها نماذج يحتاج الأمر بعدها إلى تفصيل. .
إن المسلمين متفقون على أن أصل الإيمان بالله الواحد لابد منه للبقاء على الإسلام وزيادة الإيمان أو نقصانه لا أثر لها بعد ذلك.

وكذلك التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الريبة في الرسول كفر صراح يخرج من الملة.
أما فعل ما أمر الله به وترك ما نهي عنه ـ وهو عنوان الخضوع ومبدأ السمع والطاعة لله ـ فإن للعلماء الراسخين تفضيلات عاقلة عادة في هذا الموضوع.

اتفقوا على أن رفض التشريع ارتداد، كأن يرفض أحد جلد الزاني أو قطع السارق استنكارا للعقوبة واستبشاعا لها. . أو كأن يرفض أحد إقام الصلاة وصيام رمضان، لأن هذه الأركان تعطل الإنتاج كما يزعم بعض الرعاع.
ولم يقل أحد من المتقدمين أو المتأخرين: إن رفض النصوص القطعية يبقي صاحبه في الإسلام، أما ترك فرض أو فعل كبيرة مع الشعور بالإثم، فإن صاحب هذا المسلك يعد مسلما عاصيا لا يوصف بالكفر.

وأساس ذلك قوله تعالى: ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ونرى هذه الآية تحتاج إلى بعض التدبر لنفقه فحواها . .
ولنسأل أولا عما دون الشرك الذي يمكن أن تتناوله المغفرة. . .

هل جحود الإلوهية ـ كما يرى الماديون ـ دون الشرك؟ كلا إنه أسوأ حالا وشر مقالا، فالمشرك يرى أن الله موجود، ولكنه يضيف إلها ثانيا أو ثالثا، أما المعطلة فلا يولون بإله أصلا ولا تنتظر لهم مغفرة. .

هل الاعتراف بالإلوهية مع إعلان الحرب عليها دون الشرك؟ كلا، إن إبليس يوقن بوجود الله، ولكنه مع إصرار سابق ولا حق يقول لله: لا طاعة لك عندي، فهل ذلك دون الشرك؟! إنه مثله أو أقبح منه!

إن ما دون الشرك هو عصيان الموحدين الذين يغلبهم الهوى، ويصيبهم العمى فلا يلزمون الصراط المستقيم. وربط مستقبلهم بالمشيئة العليا يرجع إلى أن الله وحده هو الذي يعلم ملابسات انحرافهم، ومبلغ نشاطهم أو كسلهم في جهاد أنفسهم.

وطالما أكدنا أن المشيئة لا تعني الفوضى، وإنما تعني هيمنة رب العباد فهو بهم خبير، ولظروفهم مقدر: ( هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم).

وأرى أن تحديد معنى الجحود والإصرار والإدمان لابد أن يشترك فيه لفيف من علماء الفقه والنفس والاجتماع، فالأمر أكبر من أن يطرح على بساط البحث النظري أو الجدل الكلامي. .

وفي تاريخنا القديم حاول البعض أن يدخل في هذه القضية بغباء، فأساء إلى نفسه وإلى الحقيقة . . نعم حاول الخوارج بنزق أن يرسموا خط الخروج عن الإسلام، فكفروا مسلمين صالحين، ومالوا بقواهم على خيرة الناس فأحرجوهم وأوهنوا قواهم..
وكان رد الفعل تطرفا غبيا، فظهر المرجئة يدخلون في دائرة الإسلام أصحاب الشهوات الجامحة والأفكار الضالة.

والغريب أني وجدت في هذا العصر الصنفين معا وأصحاب المنطقين الشاردين!!

إننا نشكو إلى الله حكاما يخذلون الإسلام ويمالئون الشيوعية أو الصليبية العالمية، وقبل ذلك نشكو إلى الله متدينين كذبة قست قلوبهم على عباد الله، وذهبوا بأنفسهم مذهبا مستعليا فهم يرمون بالكفر والفسق من شاءوا، لا سناد لهم إلا فقها قليلا وترتيلا كثيرا. .
قشور من العبادة على باطن خرب، وأثرة مفرطة، وتطاول غريب لا يحترم علما ولا سابقة. .

المسلم الحق طبيب يأسو الجراح، ويرحم الضعاف، ويرشد الحيارى، ويتلطف مع الضالين حتى يثوب بهم إلى طريق الله.
وهؤلاء جعلوا ما عرفوا من الدين تكأة للنيل من غيرهم والارتفاع على أنقاضهم..

كان رسول الله يأسى لعناد الكافرين ويحزن لإصرار الضالين، ويتمنى من أقصى فؤاده لو اهتدوا إلى الحق. .
وهؤلاء يجعلون من خطأ غيرهم مددا للغرور وسببا إلى احتقار الجاهلية والجهال. .
الرسول يقول يقول لمن بلغ عن معصية عاص: هلا سترته بثوبك.

ذكرت في أمراض القلوب نموذجا لأولئك المتدينين المتكبرين، وكيف عاب بعضهم على رسول الله قسمته لمال جاءه، تألف به بعض الناس لمصلحة الدعوة الإسلامية، ثم قرأت في مسلك أحدهم ما جعلني أقول: ما أشبه الليلة بالبارحة. .
جاء في الحديث: "فقال رجل: كنا نحن أحق بهذا المال من هؤلاء! فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قوله ـ فقال: ألا تأمنوني وأنا أمين السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحا ومساء! فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار، فقال: يارسول الله اتقي الله. .!! فقال: ويلك، أولست أحق أهل الأرض أن أتقي الله؟!
ثم ولى الرجل فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال: لا، لعله أن يكون يصلي.
قال خالد: زكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه: فقال رسول الله، إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم. ثم أنظر إليه وهو مقف فقال: إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية".

إن الإسراع في اتهام الناس وتلويث سمعتهم ليس دينا، والحكمة في معالجة الأخطاء مطلوبة، وفي الحديث: "إن الله يحب الرفق في الأمر كله".
ولا يعني هذا ترك الجرائم تسرح في المجتمع، كما لا عني إطفاء مشاعر الغضب لله والغيرة على حدوده، ذاك شأن غير ما نحن بصدده..

قلت يوما لرجل تعود السكر: ألا تتوب إلى الله؟ فنظر إلي بإنكار ودمعت عيناه، وقال: ادع الله لي . .!!
تأملت في حال الرجل ورق له قلبي. إن بكاءه شعور بمدى تفريطه في جنب الله، وحزنه على مدى مخالفته، ورغبته في الاصطلاح معه.
إنه مؤمن يقينا، ولكنه مبتلى! وهو ينشد العافية ويستعين بي على تقريبها . .
قلت لنفسي: قد يكون حالي مثل حال هذا الرجل وأسوأ. صحيح أني لم أذق الخمر قط، فإن البيئة التي عشت فيها لا تعرفها، ولكني ربما تعاطيت من خمر الغفلة ما جعلني أذهل عن ربي كثيرا، وأنسى حقوقه.
إنه يبكي لتقصيره، وأنا وأمثالي لا نبكي على تقصيرنا، قد نكون بأنفسنا مخدوعين. .

وأقبلت على الرجل الذي يطلب مني الدعاء ليترك الخمر، قلت له: تعال ندع لأنفسنا معا. . (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين).

إنني أطلب من المشتغلين بالدعوة أن يتقوا الله في الناس، وأن يتفقهوا في الدين فإن من يرد الله به شرا يحرمه الفقه في الدين، ولو كان ثرثارا يخطب في كل ناد.

avatar
saied2007
المدير العام
المدير العام

عدد الرسائل : 4579
تاريخ التسجيل : 11/10/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://saied2007.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى