حــول الطاعة و التربيـة ـ محمد يوسف عدس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

حــول الطاعة و التربيـة ـ محمد يوسف عدس

مُساهمة من طرف saied2007 في الإثنين يونيو 30, 2008 2:37 am

يحدثنا علي عزت بيجوفيتش عن صديق له عرض عليه مقالة كان يكتبها عن تربية الشباب تربية إسلامية، فتبين له أن صديقه هذا يدعو الوالدين إلى تنشئة أبنائهم على مكارم الأخلاق وحسن معاملة الناس والتواضع والرأفة والعفو والصبر والاستسلام للمقادير .. وينبه المربين إلى ضرورة إبعاد الشباب عن الشارع وعن أفلام العنف والجريمة ورعاة البقر، وعن المطبوعات الضارة وممارسة الرياضة العنيفة ..!
وقد لاحظ أن أكثر الكلمات تردّداً في هذا المقال هي كلمة "الطاعة" .. فعلى الشبان أن يطيعوا الوالدين في البيت والشيخ في الكتاب والمدرس في المدرسة والشرطي في الشارع .. ثم بعد ذلك طاعة المدير المسئول أو الرئيس في العمل ..!
ويمضي علي عزت ينقل إلينا صورة الشاب المثالي كما يرسمها وينصح صديقه المربّين بها ,. فنراه ولداً مسالماً لا يشاغب في الشوارع ولا يرفع صوته أبداً فلا يسمع له حسّ .. ويشكر الجميع دائماً ويكثر من الاعتذار للآخرين ..!
ولأن الصديق لم يكن قد أتم مقاله بعد ، سمح علي عزت لنفسه أن يكمل لنا صورة الشاب المثالي على النمط الذي سار عليه المؤلف فأضاف : "يسكت إذا غشّه الآخرون في البيع ، ولا يردّ على أحد إذا ضربه في الشارع " .. وباختصار يكون نموذجاً لشخص ..لا يدافع عن نفسه ضد أي مخلوق مهما بالغ فى إيذائه .. [ يعنى مثله الأعلى فى السلوك : تبيت مظلوما ولا تبيت ظالما .. وتمشى دائما جنب الحائط ...!!] .
ثم يقول معلّقًا : "أدركت وأنا أقرأ هذا المقال معنى ذلك القول المأثور: أن الطريق إلى جهنم ممهد بالنوايا الحسنة .. كما أدركت جانباً من أسباب تخلّفنا وانحطاطنا في القرون الأخيرة وهو التربية الخاطئة للنشىء .. والحقيقة أننا نربي شبابنا تربية خاطئة منذ قرون وكان هذا ناتجاً من عدم فهمنا للفكر الإسلامي الصحيح ..، ففي الوقت الذي كان فيه أعداء الإسلام المستعمرون يبتلعون الدول الإسلامية واحدة بعد الأخرى مدعّمين بعلومهم وغطرستهم واستهتارهم بنا .. كنا نربي أجيالنا على الطاعة العمياء لوليّ الأمر لأن كل سلطة إنما هي قدر من عند الله لا حيلة لنا فيها ولا خيار ..!
هكذا شاع عند كثرة من المسلمين (فى عصور الضعف والتخلّف) فهْمُ الآية الكريمة: (قل اللهم مالك الملك تؤتى المُلك من تشاء وتنزع المُلك ممن تشاء ...) وكأن الأمر الواقع مهما كان ظالما مجحفا فهو قدر إلهي لا ينبغى ان يتصدى له مسلم لتغييره ..!! وكأن الله [حاشاه] يرضى بالظلم والقهر لعباده ..! وكأنه يبارك عمل الخطّافين والسُّرّاق وقُطاع الطُّرق الذين إستوْلوْا على السلطة رغم إرادة الناس أو بتزوير إرادتهم .. !! ثم يُقال للناس هذه إرادة الله وقدره ..
إن هذه الآية الكريمة العظيمة مثل آيات كثيرة فى القرآن لا تُفهم منعزلة عن بقية النصوص القرآنية الأخرى التى تتناول نفس الموضوع .. وإلا بدا القرآن للناظر إليه[ نظرة برّانية سطحية ] نثارًا ينقض بعضه بعضا .. المشكلة إذن فى طريقة فهمنا لايات القرآن وليس فى القرآن نفسه .. فالذين فهموا الآية على النحو الذى أسلفنا لن يستطيعوا فهم آيات أخرى تدعو إلى الجهاد لدفع الظلم ومحاربة الشرور والمظالم ونشر العدل بين الناس .. هذا الفهم الخاطئ يؤدّى إلى إسقاط حق المسلمين فى الشّورى المُلزمة للحاكم .. وحقّهم فى إختياره أصلاً وفى تنحيته عن السلطة إذا أساء إستخدامها وأفسد حياة الناس وتنكّر لحقوقهم ...
يلفت على عزت بيجوفيتش نظرنا هنا إلى نقطة أخرى هامة فى التناول الخاطئ لآيات القرآن الكريم .. فهو يرى أن هذا هو الأسلوب الذى يستخدمه أعداء الإسلام فى محاربة الإسلام ، إذ ينتزعون آية من سياقها .. منعزلة عن بقية الآيات القرآنية الأخرى
فى نفس الموضوع .. ثم يعرضونها على أنها هى الحكم القرآنى النهائى فى قضية ما .. ويستخلصون من ذلك أحكامهم المسبّقة : أن الإسلام دين يرفض الآخرين ولا يقرّ التعايش أو الحوار معهم .. بل يحرّض المسلمين على قتلهم والتخلّص منهم .. ويستدلّون على ذلك بالآية القرءانية : { قاتلوا الذين لايؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ، ولايدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب ، حتى يعطوا الجزية عن يِدِِ وهم صاغرون..} .. إنهم يخفون عامدين كل الآيات الأخرى التى تحدد علاقة المسلمين بأهل الكتاب : الجدال بالتى هى أحسن .. والمشاركة فى الطعام .. والقسط والبرّ بهم .. وزواج الرجل المسلم من المراة الكتابية .. وان القتال المشروع هو لرد العدوان لا للعُدوان على الآخرين ، كما فى الآية الكريمة : { وقاتلو فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يُحِبُّ المعتدين } (البقرة آية 190) وآية اخرى تؤكّد واجب المسلمين فى البر والقسط بأهل الكتاب : { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرُّوهم وتُقسِطوا إليهم ، إن الله يحبّ المقسطين } (الممتحنة آية Cool هذا هو الأسلوب الصحيح لفهم القرآن وآياته التى سيظل المسلمون يرددونها فى قراءتهم وصلواتهم كل يوم إلى يوم القيامة ...
نعود إلى فهم المسلمين الخاطئ لمعنى الطاعة المشروعة حيث يتابع على عزت كلامه فيقول : " لا أعرف بالضبط مصدر هذه الفلسفة التعيسة للطاعة ، ولكني أعرف على وجه اليقين أن الإسلام ليس مصدرها " .. فإذا سألناه (فيم هذا اليقين ..؟ ). فإنه يرّد ببساطة: "لأن الطاعة العمياء تتناقض مع روح الإسلام وتعاليمه ، وقد أنكر القرآن على أقوام طاعتهم العمياء وإتّباعهم لدين ملوكهم أو آبائهم عندما عرض عليهم أنبياؤهم دين الله الحق فعموا وصمّوا وأغلقوا عقولهم عن التفكير .. وينكر الإسلام على المسلمين بل يأمرهم برفض الطاعة فى معصية : (لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق ) والقرآن يؤكد هذا المعنى فى آيات كثيرة .. هذا القرآن الذى قرن الإحسان إلي الأبوين مباشرة بالإيمان بالله فى آية واحدة ورفع الإحسان إلى أعلى مكان فى العبادة ، هو نفسه الذى حذّر من طاعة الأبوين فى موقف آخر حيث قال : { وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تُطعْهما ، وصاحبهما فى الدنيا معروفا ..} .. وهكذا يؤكد الإسلام على المسلم إعمال العقل فى كل مواقفه تجاه المجتمع والأفكار والقيم السائدة .. وهذا ما نستخلصه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يكنْ أحدكم إمّعة يقول إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت .." فالمطلوب من المسلم أن يوطّن نفسه على الإحسان دائما حتى لو أساء جميع الناس .. فلن يكون هذا عذرا لتخلّيه عن مسئوليته أمام الله وأمام ضميره الأخلاقي الذى يُفترض أنه نشأ فى طاعة الله ...أمّا الطاعة العمياء التى شاعت فى مجتمعات المسلمين خلال عصور التخلف و تحت وطأة النظم الإستبدادية فهى نتاج تربية سيئة مقصود بها أن تؤدّى وظيفة معيّنة .. بل وظيفتين على حد قول على عزت بيجوفيتش : " هذا النوع من الطاعة له وظيفتان تكمّل إحداهما الأخرى : فمن ناحية هي خصلة من شأنها أن تُميت الأحياء ، ومن ناحية أخرى فإن نسبتها إلى الإسلام من شأنها أن تحشد حول الإسلام أجيالاً من الناس قد ماتت قبل أن تبدأ حياتها ... !! وتفصيلا لذلك يقول : "إن الطاعة العمياء تحيل كائنات بشرية سوية بفطرتها إلى أناس يفتقدون الثقة في أنفسهم .. يطاردهم شبح الإدانة ومشاعر الذنب الدفينة .. ومع الزمن تصبح راية لفلسفة يستظل بها مجموعات من أقزام البشر هاربون من الواقع المُرّ بحثاً عن ملجأ لهم في الاستسلام السلبي ومواساة النفس ..."
ربما يفسر لنا هذا ( في نظر علي عزت) السبب فيما يلاقيه كثير من رموز الفكر الإسلامي المعاصر من هزائم في كل مواجهة تصادفهم ، فهؤلاء المقيدون بفلسفة المناهي.. وبضمائر مثقلة بمشاعر الذنب .. رغم أنهم لا يفتقرون إلى التقوى والأخلاق ، تتجلى عدم كفاءتهم في مواجهة أناس يفتقرون إلى النزاهة وحسن الخلق .. ولكنهم يتمتعون بحزم أكثر وصلابة أشد .. هؤلاء الأعداء يتميزون بأنهم يعرفون أهدافهم التي يسعون إلى تحقيقها معرفة جيدة .. ومن ثم لا يتحرّجون في اختيار الوسائل التي توصلهم إليها مهما كانت دناءة هذه الوسائل ...
ويخلص (علي عزت) إلى القول بأن " أساليبنا التقليدية في تنشئة أبنائنا لا تُنتج مسلمين حقيقيين وإنما جبناء مستسلمين وعبيد مطيعين لأسيادهم .. فطوبا لكل نظام مستبدّ بأشباه الرجال " الذين جرت صناعتهم على عينيه فى بيوت المذعورين المقهورين ..! .. ولا يتوقف على عزت عند هذا الحد .. وإنما يحمّلنا وْزر المشاركة في استعباد واضطهاد شعوبنا في هذا العالم المليء بالفتن والرذائل والمظالم والمُلهيات .. لأننا طالبنا الشباب بالأبتعاد بأنفسهم وإغلاق عيونهم وإخراس ألسنتهم عن الخوض فى كل هذا الخلل الذى يطوّق حياتهم .. وجعلنا منهم كائنات مطيعة ً هادئة ً مهذبة لا ترى ولا تسمع وإذا رأت أو سمعت لزمتْ الصمت ... !!
وأسأل : أليس المشهد الذي نراه الآن في الأراضي الفلسطينية أكبر شاهد على هذه الحقيقة ..؟ ينتفض الأطفال والشباب في مواجهة العدوان الإسرائيلي المدجج بالسلاح ، بما أتيح لهم من أحجار .. ويسقط منهم الضحايا والشهداء كل يوم ، فلا يجدون من المسلمين حولهم عوناً ولا مساعدة .. وترتفع أصوات الإنهزاميين تدعوا إلى وقف العنف الفلسطيني حتى تسكت مدافع إسرائيل .. يدعون إلى إطفاء شعلة الانتفاضة وهي الشيء الصحي الوحيد في المقاومة الفلسطينية ، ويطالبون بإعادة التلاميذ إلى المدارس .. وليهدأ العبيد جميعاً في فلسطين وفي كل بلاد العرب .. ولا يتحمّسون لمقاطعة إسرائيل أو الإمتناع عن شراء السّلع والمنتجات الإسرائيلية ..!!!
يقول علي عزت: إنه لمن التناقض الصارخ أن تقدم إلينا تربية الذل والانصياع والطاعة هذه باسم تربية القرآن .. والقرآن منها بريء .. هذا القرآن الذي يذكر مبدأ الجهاد ومقاومة الظلم في أكثر من خمسين موضع ، ويعلي من قدر الجهاد ويرفع درجة الشهيد إلى درجات الأنبياء والصديقين ، هذا القرآن لا يمكن أن يكون مسئولاً عن هذا الذل والاستضعاف الذي يعانيه المسلمون ...
ولذلك يقول : "أنا أجزم هنا بأن القرآن العظيم قد حرّم هذا النوع من الطاعة العمياء ؛ لأنها عبودية للطواغيت من البشر المتألّهين والسلاطين الزائفين ..بينما لا تجوز العبودية إلا لله وحده ... [ فعلى الطاعة المطلقة لله وخشيته وحده يبني القرآن كرامة الإنسان وتحرره من الشرك والخوف والعبودية لغير الله ...]"

1 إذن ما الذي ينصح به (علي عزت) الآباء والمربين ..؟
إنه يقول : يجب على الآباء والمربين أن يتنبهوا قبل كل شيء ألا يحطموا إرادة الشبان .. أو يئـدوا طاقة الحرية عندهم ، بل عليهم برعايتها وصياغتها وأن يقوموا بتوجيه الإرادة لا كسرها ؛ لأن الشبان مسلوبي الإرادة لا ينفعون الإسلام ، ولا سبيل إلى إعادة حيوية الإسلام بواسطة أناس أموات .. على الآباء والمربين أن يحدّثوا الشباب عن العزة أكثر من حديثهم عن الطاعة ، عن الشجاعة أكثر من التواضع ، وعن العدل أكثر من الشفقة "
[ هذه الأجيال التي تتربى على العزة والكرامة هي وحدها التي تستطيع أن تقف على قدميها بثبات .. وتمضي في طريقها دون تردد ودون أن تلتمس الإذن من أحد ، فنهضة الإسلام لن تكون إلا على أيدي الشجعان الثائرين لا العبيد المطيعين ..! ]
في قضية التربية سنخطئ خطئاً شديداً إذا تصورنا أن (علي عزت) يستنكر الطاعة لصالح العصيان والتمرد .. أو أنه يدعو إلى العنف من أجل العنف ، وإنما هي قضية التوازن في قيم التربية ، واختيار المكوّن الصحيح بالمقدار المناسب لتنمية الشخصية المسلمة القوية .. وإعداد الشباب لمواجهة حياة حافلة بالشدائد والمخاطر .. فهذا قدرهم ويجب أن يتهيّاوا ويستعدّوا لمغالبته ...
إنها قضية أولويات وإعادة ترتيب في سلم القيم ، فليس من المعقول ولا المقبول أن تتم تنشئة أطفال اليهود وشبابهم في الكيبوتزات على العنف وكراهية العرب والمسلمين واحتقارهم .. بينما يربي المسلمون أبناءهم على الاستسلام والطاعة .. وُيستبعد من قاموس تعليمهم فكرة الجهاد ومقاومة الأعداء المتربصين بهم ، وكأننا نجهّز أبناءنا للذبح لا للحياة ...!!
أليس هذا هو الذي يحدث الآن في فلسطين..؟ ألم يحدث هذا في العقد الأخير مرتين: مرة في البوسنة ومرة أخرى في كوسوفا ..؟!
وفي تاريخنا القديم وقائع مذهلة حدثت أثناء الغزو المغولي ، فقد ذُكر أن تتريّاً واحداً كان يدخل قرية مسلمة فيخرج كل سكانها من بيوتهم ويأمرهم أن يصطفّوا صفوفاً فيطيعون مسلوبي الإرادة .. ثم يمضي التتري يقطع بسيفه رقاب الرجال والشباب واحداً بعد الآخر .. فلا يرتفع أصبع بالمقاومة وكأن الرعب قد شل قوى الجميع .. ولو كان هؤلاء أحياء حقاً لقضوا على التتري بأيديهم المجردة .. ولكنهم كانوا غثاء كغثاء السيل. ...
يقول على عزت : إننا عندما نربي أبناءنا على الطاعة العمياء نعدّهم ليكونوا عبيداً للطاغية المستبد بيننا .. ونهيّئهم ليكونوا خرافاً سهلة المنال في مجزرة أعدائنا ، وهذه ليست تربية إنما هي جريمة لا تُغتفر ..!
avatar
saied2007
المدير العام
المدير العام

عدد الرسائل : 4579
تاريخ التسجيل : 11/10/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://saied2007.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى