الرد الحضاري على "فتنة" فيلدرز ـ مصطفى عاشور

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الرد الحضاري على "فتنة" فيلدرز ـ مصطفى عاشور

مُساهمة من طرف saied2007 في الأحد أبريل 13, 2008 4:46 am

بث النائب الهولندي اليميني "فيلدرز" فيلمه السيئ بعنوان "فتنة" FITNA يوم الخميس وكان يظن أن "فتنة" سوف تحدث فتنة في العالم الإسلامي وستشعل تيار الغضب، وسينطلق المسلمون يوم الجمعة في حالة هياج وغضب ويرتكبوا ما يصبو إليه من أعمال عنف..لكن لم يحدث ذلك وكانت تصرفات المسلمين تتسم بدرجة من الحكمة والوعي أشاد بها فيلدرز نفسه في بعض حواراته الصحفية في هولندا، ولذا ربما يحتاج هذا الرد الحضاري من المسلمين إلى قراءة إستراتيجية، تبحث في قراءة مسلمي هولندا لقضية الإساءة التي تتجاوز فيلم "فتنة".

يرى البعض أن تطوير الواقع الفكري للعالم الإسلامي سيأتي من مسلمي الغرب، فهم جسور تواصلية وفكرية بين المسلمين والغرب، وإذا كان الغرب حمل إلينا في القرنين الماضيين الكثير من رياح التغيير والاستعمار وأثار الكثير من التساؤلات الكبرى والجدل الذي لم يتوقف، فإن المؤشرات تنبئ بأن رياحا أخرى ستهب علينا من هناك تحمل رؤى تجديدية وإصلاحية يحتاجها المسلمون في مشاريعهم الحضارية.

يأتي هذا الحديث بعدما تلقيت تصورا لمشروع أعده "اتحاد المنظمات الإسلامية في هولندا" تحت عنوان "الرد الحضاري على الإساءة للإسلام " يحمل قدرا من التفكير الراقي في التعامل مع مشكلة الإساءات التي توجه إلى الإسلام ونبيه الكريم من بعض الكتاب والصحفيين والإعلاميين والسياسيين الغربيين تحت دعاوى حرية التعبير والحرية الفكرية.

الرؤية الإستراتيجية

اتحاد المنظمات الإسلامية في هولندا هو فيدرالية تضم عددًا من المؤسسات الإسلامية في هولندا، ويسعى لتكوين تكتل مؤسسي إسلامي فاعل وحقيقي في هولندا لتوحيد الجهود المبعثرة، وخصوصًا في مجتمع المؤسسات والتكتلات، ويرجى من ذلك تفعيل الوجود الإسلامي وخدمة قضايا المسلمين بأسلوب متوازن عبر كافة القنوات الشرعية المتاحة.

المشروع يقع في سبع صفحات، ويحتاج إلى قراءة تكشف أبعاد الرؤية التي يطرحها مسلمو هولندا في العلاقة بين المسلمين وبين مجتمعاتهم الغربية؛ وخاصة أن لمسلمي هولندا تجارب إيجابية تستحق التوقف عندها ودراستها خاصة فيما يتعلق باندماجهم في مجتمعهم الهولندي.

ومن الناحية الأخرى يكشف المشروع عن تصور للعالم الإسلامي لإدراك الأبعاد الإستراتيجية للإساءات المتكررة للإسلام ومقدساته، وكيفية الخروج من حيز الانفعال إلى حيز الفعل الواعي؛ بل والفعل الإستراتيجي الذي يقدر وزن الإساءة ومصدرها وسياقاتها وكيفية تحويل تلك الأزمة إلى مجال للفرص يتم من خلاله بناء الهوية الاندماجية لمسلمي الغرب على مرتكزين أساسيين؛ هما: الانتماء الوطني للدول التي يعيشون فيها، والانتماء للإسلام كهوية دينية تنطلق من مفهوم "كوني عالمي" للإسلام يرى أن الأرض كلها لله.

ما يميز المشروع الحضاري الهولندي في الرد على الإساءة هو أنه لم يأت مدفوعا بإكرهات سياسية، أو مضغوطا بمخاوف الردود غير المسئولة من بعض ذوي العاطفة الإسلامية، أو حتى من نسبة أفعال غير جيدة للمسلمين وفق نظرية المؤامرة تقوم بها أيد ترى في الوجود الإسلامي تهديدا لوجودها ومصالحها وثقلها في المجتمع الغربي، ليس هذا فقط ما يميزه.. لكن المشروع جاء -أيضا- على أرضية شرعية إسلامية ترى أن الرد الحضاري هو الرد الإسلامي الصحيح الواجب اتباعه والقيام به، ومن ثم تصبح مخالفة الرد بالطريقة تلك هي مخالفة للشريعة الإسلامية وروحها.

"اتحاد المنظمات الإسلامية" ينطلق في مشروعه من الحيز المقاصدي للإسلام والتأسيس لفكر الأولويات للتعامل مع مثل هذه الأزمات، والتأكيد على الإستراتيجي بدلا من دخول في دوامة رد الفعل.

ربما نستطيع أن نتلمس من هذا المشروع رؤية من مسلمي هولندا تؤكد أن مسلمي الغرب يقومون بعمل جليل هو تمتين الوجود الإسلامي في أوروبا والغرب عموما، وجعل الإسلام موطنا بصلاحيات كاملة للمواطنة، وليس ضيفا لا بد له من الرحيل وإن طال الزمن، هذه الرؤية الإستراتيجية تقتضي التمييز بين تصرفات مسلمي أوروبا وتصرفات مسلمي العالم الإسلامي، فكلاهما يعيش في بيئة مختلفة تستدعى اجتهادات مختلفة؛ لكن تبقى القضية الحاكمة أن المسلمين كالجسد الواحد فالأخطاء يتحملها الجميع وردود الأفعال الغاضبة تخصم من نصيبهم.. وبالتالي نكون أمام معركة تستدعي إدارة جيدة لتعظيم المكاسب وتقليل الخسائر، وجعل الخسائر تقع فيما هو هامشي، أما المكاسب فلا خيار إلا أن تكون إستراتيجية.

التحرك العادل



الوثيقة أكدت أن تحرك المسلمين للرد على الإساءة الموجة لدينهم ومقدساتهم هو قضية عادلة، لكن يبقى الإشكال في كيفية تحقيق هذه العدالة، أو بسؤال أكثر وضوحا كيفية تحويل المبدأ إلى إجراءات تجعله واقعا في الحياة.
وهنا كان لا بد من تحليل السياقات والأجواء التي أتت فيها تلك التجاوزات من بعض الغربيين للإسلام خاصة في هولندا، وأول هذه السياقات أن الإسلام يتقدم في هولندا بخطى واضحة يمكن تلمسها بسهولة، فالمسلمون في هولندا يشكلون ما يقرب من مليون نسمة من أصل 16.3 مليون هولندي، وبالتالي فالمقصود من الإساءة ليس المقدس، ولكن المقصود الحقيقي هو الوجود الإسلامي في تلك البلاد.

كان هذا المدرك ضروريا لفهم قضية الإساءة، وفي تحديد كيفية التحرك العادل والصحيح للتعامل معها، ومن ثم فالتحرك الواجب هو تعميق الوجود الإسلامي في تلك البلاد بالطرق المشروعة والقانونية، وليس الخروج على القانون والأعراف المرعية في تلك البلاد.. كذلك يقود هذا المدرك إلى عدم الدوران في قضايا حوارات الأديان على المستوى الشعبي واستغراق الوقت في نقاشات لا طائل منها، وربما هذا ما أوصى به القرآن في الكريم في المطالبة بالإعراض عن اللغو والجاهلين، وهؤلاء الذين يسيئون في حق الإسلام لا يخرجون من هذا الحيز.

هذا المدرك يرى أن إحباط الهدف الإستراتيجي للقائمين بالإساءة المتمثل في حصار الإسلام في أوروبا لا بد أن يقلل من الإساءات المتصاعدة والآخذة في الانتشار في الآونة الأخيرة، وخاصة أن تلك الإساءات لم تأت كرد فعل على أشياء قام بها مسلمون، ولكنها محاولات لاستفزاز المسلمين، لتصويرهم على أنهم جماعات متطرفة عنيفة ولا عقلانية، ولا تستطيع أن تتوافق مع قيم الحضارة والديمقراطية، ولديها نفور من الآخر ورغبة في خلق "جيتو إسلامي أوروبي" يتميز بالعنف والقتل.

هذا المدرك -أيضا- كان يرى أن هناك محاولة للضغط على المسلمين من خلال الإساءة مع إيجاد بدائل للحركة كلها تؤدي إلى خسائر إستراتيجية للإسلام سواء على مستوى وجوده كمواطن كامل المواطنة بما تحمله من حقوق وواجبات ومشاركة، أو على مستوى الصورة الذهنية التي لابد ألا تراوح نمطية الإرهاب والعنف والتشدد.. هذا ما أدركه مشروع اتحاد المنظمات الإسلامية في هولندا ورأى أن يستحضر الرد القانوني لكل بلد يعيش فيه المسلمون في الغرب، فقوانين تلك البلاد تحمل قدرا هائلا من إمكانيات تحقيق العدل وإنصاف أصحاب الحق والتفاعل الإيجابي مع المظلومين.

ووفق رؤية مشروع اتحاد المنظمات الإسلامية في هولندا تتحول مجابهة الإساءة إلى قضية قانونية تستهدف القائمين بها، ومن ثم يخرج المسلمون من حيز الصورة الذهنية التي تضعهم في خانة الإرهاب، إلى حيز المطالب بحقه أمام القانون، وفي هذه الحالة تقارع الحجة بالحجة والدليل بالدليل، ولا شك أن الإسلام ومعتنقيه يمتلكون ما يكفي لإدانة هؤلاء المسيئين، ومن ثم ينتقل الإسلام من خانة السخرية والتشهير والاتهام إلى مربع المجني عليه بما يسمح بقدر من التفهم من الرأي العام رسميا وشعبيا في تلك البلاد للإسلام دينا وأتباعا.

ورأى المشروع أن فهم خلفيات المواقف يعد ركنا في التحرك للتعامل مع الإساءات المتكررة للإسلام، كما أن فهم تلك الخلفيات يضفي قدرا من الواقعية على التعامل معها مستقبلا، ورأى المشروع أن هناك جهات ترغب في نسف مكاسب المسلمين في هولندا وشغلهم بمعارك وقضايا جانبية، والحيلولة دون تحقيق أهدافهم الكبرى ألا وهي التفاعل والاندماج الإيجابي في مجتمعاتهم، فالسياسات اليمينية المتطرفة جعلت من إساءاتها للمسلمين منهجا لتحقيق مكاسب انتخابية، وخلق حالة من الاستقطاب في المجتمع تعمق مشاعر الخوف من الإسلام وتعوق سياسات الاندماج.

المشروع الهولندي وتأسيسا على رؤيته الإستراتجية لطبيعة الإساءة للإسلام دعا أن تكون ردود فعل المسلمين تجاهها فعالة ومستديمة، وأن يتم التعامل بوعي مع الإستراتيجي، وألا يكون هدف التحركات التعامل مع المثير، وأن يكون التفاعل مع الإساءة ناضجا، ويسعى لاكتساب احترام الجميع، وإضعاف موقف الخصم، وتوسيع دائرة المشترك بين المسلمين، وغيرهم، وخاصة أن الإساءات أخذت تنال الأديان والأنبياء والمعتقدات في أديان أخرى كالمسيحية.

وعلى ذلك رأى المشروع أن الأرضية الشرعية والقانونية ضرورية للتحرك السليم لمواجهة الإساءة؛ لأن الشرع الحنيف يرى ألا تتم إزالة المنكر إذا ترتب عليه منكر أكبر منه، وأن يكون الرد ضمن إستراتيجية محكمة أساسها تقدير المصلحة والمفسدة؛ لأن كل عمل يأتي بخلاف مقاصده باطل، كما أن الردود المتجاوزة للقانون لا تخدم أهداف المسلمين.

ومن ثم رأى المشروع -تأسيسا على مقولة "إن الأزمات تمنح دائما فرصا"- أن الإساءة تمثل فرصة تاريخية لا ينبغي تفويتها، وأن يتم تعظيم تلك الفرصة على محورين أساسيين:

الأول: تعميق و تجذير الهوية الدينية لدى مسلمي الغرب من جانب، وكذلك تعميق هويتهم الوطنية وإزالة الالتباسات بين الانتماءين، فالمسلمون في الغرب هم مواطنون ووجودهم دائم، كما أن الأجيال الثالثة والرابعة من مسلمي الغرب لا تعرف لهم أوطانا إلا التي ولدوا فيها، وخلق هذه الحالة الانتمائية المنسجمة لابد أن تقود إلى إدماج حقيقي وفعال للمسلمين في المجتمعات الغربية.

الثاني: استغلال أجواء الإساءة لتعريف الشرائح الغربية بالإسلام دينا وأتباعا، وخاصة أن الإساءة تصدر دائما من قوى وأطراف هامشية ومتعصبة وعنصرية، أما المجتمعات في مجملها فلا تعيش في حالة عدائية مع الإسلام؛ ولذا فالتعريف الجيد يكون اللبنة الأولى والفعالة في تحقيق المشروع الاندماجي للمسلمين في الغرب، وتحطيم الصورة النمطية عن الإسلام.

ورأى المشروع الهولندي أن تكون الفعاليات التي يعقدها المسلمون مفتوحة للجميع لتنوير تلك المجتمعات بحقيقة الإسلام، واقترح إنشاء جائزة لحفظ القرآن الكريم على أن تكون دولية، باسم "جائزة هولندا الدولية للقرآن الكريم"، وأن تعرض مجموعة من الأفلام الوثائقية عن الإسلام، وأن تدشن حملة للتعريف بالإسلام.
avatar
saied2007
المدير العام
المدير العام

عدد الرسائل : 4579
تاريخ التسجيل : 11/10/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://saied2007.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الرد الحضاري على "فتنة" فيلدرز ـ مصطفى عاشور

مُساهمة من طرف ميار في الأحد أبريل 13, 2008 5:49 am

موضوعات متميزة وجادة
avatar
ميار
عضو مبدع

عدد الرسائل : 356
تاريخ التسجيل : 26/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى